السيد كمال الحيدري

83

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)

متعلّقين بعنوانين متّحدين ذاتاً ومصداقاً للتضادّ بينهما ، يرجع إلى أحد السببين التاليين : السبب الأوّل : التضادّ والتنافي بين مبادئ وملاكات الأحكام ؛ لأنّ مبادئ الأمر عبارة عن المصلحة والمحبوبيّة ، أمّا مبادئ النهي فهي عبارة عن المفسدة والمبغوضيّة . ويستحيل اجتماع المصلحة والمفسدة أو المحبوبيّة والمبغوضيّة على شيء واحد ذاتاً ومصداقاً ؛ إذ لا يمكن أن يكون الشيء الواحد ذاتاً ومصداقاً واجداً للمصلحة والمفسدة معاً ، أو للمحبوبيّة والمبغوضيّة معاً . ولذا يستحيل اجتماع الضدّين ، وعليه يستحيل اجتماع الأمر والنهي على فعلٍ واحد ، في آن واحد . فإنّ الفعل الذي يكون واجداً للمصلحة ومحبوباً لدى المولى ، لا يمكن أن يكون في ذات الوقت واجداً للمفسدة ومبغوضاً لدى المولى ، ولذا قلنا : إنّ الأحكام التكليفيّة متضادّة فيما بينها . السبب الثاني : التضادّ بين الأحكام في عالم الامتثال ، فإنّ الأمر يتطلّب من المكلّف امتثال الفعل ولزوم إيجاد متعلّقه ، أمّا النهي فهو يتطلّب من المكلّف عدم إيجاد وتحقيق الفعل ، أي الامتناع والانزجار عن الفعل . ومن الواضح : أنّ المكلّف عاجز عن إيجاد الفعل وعدم إيجاد الفعل في آن واحد ، إذ لا يمكنه أن يتحرّك نحو إيجاد شيء ولا يتحرّك نحوه في آن واحد ؛ لأنّ المكلّف إمّا أن يصرف قدرته على إيجاد الفعل ، وإمّا أن يصرفها في الانزجار عنه ، ولا يمكنه أن يصرفها فيهما معاً ؛ لضيق قدرته عن ذلك ، وعلى هذا يمتنع الأمر والنهي على شيء واحد . والنتيجة : أنّه إذا دلّ الدليل على الأمر بشيء ودلّ دليل آخر على النهي عنه ، كما في ( صلِّ ) و ( لا تصلِّ ) كان هذان الدليلان متعارضين لا متزاحمين ، لتحقّق ملاك التعارض وهو التنافي بين الجعلين ، الناشئ من التضادّ بينهما في عالم الملاك .